حينما نَطَقَ الوَفَاءُ صَدْرِيّاً ... بقلم: الدكتورة مها الدوري
حينما نَطَقَ الوَفَاءُ صَدْرِيّاً ... بقلم: الدكتورة مها الدوري
تسمّرت عيناي وأنا أراجع "الحلقة الأولى" من كتاب الأصول للسيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف)، وتوقفت بقلب مأخوذ عند ذلك الإهداء الذي سطّرته أنامله الطاهرة، مشاعر جارفة اعتصرتني وأنا أتساءل: أي عظماء نحن أمامهم؟ وأي دروس نتعلمها في رحابهم؟ وأي معجزة إلهية هم آل الصدر الكرام!
لقد تسمّرت عيناي وأنا أرقب بقلب مأخوذ كلمات السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس سره الشريف)، وكيف أنه يخص هذا السِّفر المعرفي الخالد بحلقاته الثلاث، ليرفعه هدية إلى روح تلميذه الراحل (السيد عبد الغني الأردبيلي)، مكافأة له لأنه "كرّس شبابه في خدمة الله". فأي وفاء يفيض من هذه النفوس العظيمة؟! بل إنهم الوفاء ذاته قد تجسد.
ومِن مِشكاةِ هذا الموقف الفذ، يسطع لوعينا كُنه الفلسفة الصدرية ويتحصّل جوهرها؛ إذ ليس الوفاء في رِحابهم فضيلة تُلتَمس في موطن وتُفتقد في آخر، بل هو النّواة الصّلبة لِذاتهم، وعين كينونتِهم التي انبثقت لتطوّق بوفائها كل أبعاد الوجود:
وفاء للتلميذ: يربأ به أن يطويه النسيان، فيُخلد أثره في أنصع نتاجات الفكر.
وفاء لآل البيت (عليهم السلام): بنصرة خطهم الرسالي، والامتداد في نهج تضحياتهم المحمدية والعلوية والفاطمية والحسينية والمهدوية.
وفاء للمبادئ الإسلامية الأصيلة: بالثبات على قيم السماء، وتجسيد أحكام الشريعة الغرّاء في زمن الزيف والتيه.
وفاء للدين والمذهب: صون للأمانة الإلهية، وانتشال لجوهرها من ركام الجهل والجمود.
وفاء للإنسانية: بانتشال الإنسان—كل إنسان—من أغلال الاستعباد، والقهر، والديكتاتورية، والفساد، وصون كرامته التي أرادها الله.
وفاء للوطن: ذوبان مطلق بالدم والروح في طهر ترابه وفداء لكرامته وسيادته.
وفاء للشعب: بالوقوف في خندقه، وتحمّل الآلام والآهات معه، وتحمل حملات التشويه، وبذل المهج لأجل رفع الحيف والمظلومية عنه.
إن عطاء آل الصدر الكرام للأمة لم يتوقف عند حدود الحبر أو الكلمات، بل كان بذلاً بالوجود بأسره، إذ وهبوا أعمارهم، وحرياتهم، وحيواتهم كاملة ودماءهم، ليخرجونا من ظلمات التيه والعبودية إلى نور الوعي والهدى. وهنا، تسكت كل لغات الأرض واقف أمام فيض وفاء آل الصدر الكرام عاجزة، فكيف سأوفي حق وفائهم؟ وأي وفاء إنساني يمكنه أن يبلغ حق وفائهم الشامل أو يرد جميله؟
إن الحقيقة الخجولة والمُرّة التي تعترف بها ضمائرنا هي أن أعمارنا بأكملها لو فنيت في سبيل خطهم ومنهجهم لن تفي بقطرة من بحر وفائهم، وفضلهم، ودمائهم إذ لا يمكن للعدم أن يملك ما يوازي حق مَن وهبه الوجود.
فكيف للإنسان الذي كان تائهاً مستضعفاً بلا وعي (كالعدم)، أن يجد في جعبته هدية يكافئ بها مَن ضحى بحياته وبذل دمه (وهبه الوجود) لكي يمنحه الكرامة، والحياة، والحرية بكل وفاء.
فحين نطق الوفاء صدريا
سكتت كل لغات الدنيا.